أن تكون مواطناً - فهمي هويدي

أن تكون مواطناً
 

أحترم الرئاسة حقا، لكنني لا أحترم الرئيس ولا إدارته ولا آراءه وأفكاره، ذلك كلام أسارع بإعلان البراءة منه رغم أنه موجه إلى الرئيس الأمريكي الجديد.
 ولئن بدا الكلام غريبا على أسماعنا، إلا أن ما لا يقل غرابة عنه أنه صادر عن أمريكية مسلمة من أصول فلسطينية، أعلنته أمام المظاهرة النسائية التي خرجت في واشنطن يوم السبت الماضي (٢١/١) وشارك فيها نحو نصف مليون شخص.
 انطلقت المظاهرة في اليوم التالي لاستلام الرئيس دونالد ترامب مهامه رسميا، بعدما صدمت تصريحات حملته الانتخابية قطاعا عريضا من الأمريكيين، واستفزت الأمريكيات بوجه أخص لما تضمنته من آراء عنصرية ضد المسلمين والسود والمكسيكيين وغيرهم من مكونات المجتمع.
 وهو ما دعا محامية متقاعدة هي تيريزا شوك إلى إطلاق دعوة مفتوحة على صفحتها اقترحت فيها تنظيم مظاهرة احتجاجية تعبر عن رفض الرئيس الجديد واستهجان آرائه، وحين لقيت الدعوة ترحيبا من الفئات التي كانت معبأة ضد ترامب منذ حملته الانتخابية، فإن النشطاء في نيويورك تبنوا الفكرة ودعوا إلى تنظيم مظاهرات الاحتجاج والغضب في داخل الولايات المتحدة وخارجها في اليوم التالي لتنصيب الرجل (السبت ٢١/١)، وطوروا الفكرة بحيث تصبح المظاهرات ليس دفاعا عن حقوق النساء فقط وإنما دفاعا عن العدالة والقضايا الحقوقية والاجتماعية التي تمثلت في العنصرية والتمييز، والمهاجرين والرعاية الصحية وغير ذلك، وكانت المفاجأة أن خرجت في الولايات المتحدة وحدها ٤٠٨ مسيرات شارك فيها نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون شخص، حتى اعتبرت أكبر مظاهرة في التاريخ الأمريكي، كما انطلقت في خارج أمريكا ١٦٨ مسيرة منها ٢٠ في المكسيك و٢٩ في كندا.
 الاقتباس الذي أوردته في البداية جاء علي لسان السيدة ليندا صرصور التي عبرت عن عدم احترامها للرئيس وفريقه.
وكانت قد ظهرت بحجابها وقدمت نفسها، معلنة أنها لا تعتذر عن كونها أمريكية مسلمة، أو فلسطينية أمريكية.
وهي إذ تعتز بجذورها، بهويتها كمواطنة فإنها تدعو الجميع إلى الاصطفاف واليقظة للدفاع عن العدل وتوفير الكرامة لكل إنسان يعيش في هذه البلاد.
أضافت أن المسلمين الأمريكيين لهم معاناتهم المستمرة منذ ١٥ عاما، حين قررت إدارة الرئيس بوش إعداد سجلات لهم (في أعقاب غزو العراق).
وهذه المعاناة باتت تهدد آخرين في ظل الإدارة الجديدة والمكسيكيين والسود وغير المسجلين وشرائح أخري في المجتمع.
وإذ دعت إلى الوقوف بصلابة ضد تلك السياسات فإنها رفعت صوتها قائلة:  نحن الأغلبية ونحن ضمير الأمة الأخلاقي، وينبغي أن يظل صوتنا عاليا وهاماتنا مرفوعة بلا خوف.
 بنفس اللهجة تحدثت ممثلة أمريكية أخرى من أسرة مهاجرة من هندوراس هي أميركا فيرارا.
فقالت إن كرامتنا وحقوقنا باتت مهددة في ظل خطاب التمييز الذي سمعه الجميع في خطاب تنصيب ترامب، ثم أضافت قائلة إن الرئيس ليس أمريكا، ولا وزراءه ولا الكونجرس المؤيد له، ولكن المجتمع الذي يمثله الجمع المحتشد هو أمريكا الحقيقية.
 ووجهت كلامها إلى الرئيس الجديد قائلة: يا سيد ترامب: نحن نرفض ونعارض شيطنة المسلمين، واضطهاد السود، ولن تتنازل عن حقنا في الإجهاض المشروع،  وبعد أن عددت عدة مطالب أضافت قائلة، لا نريد أن نبني جدرانا بيننا أو نستخرج من مجتمعنا أسوأ ما فيه، ولا نريد أن نتحول من وطن المهاجرين لنصبح بلد الجهلاء والمتعصبين.
 تحدثت أيضا انجيلا ديفيس وهي كاتبة يسارية متقاعدة، قائلة إن المتظاهرين يمثلون المجتمع الذي يصر علي الحق في العدالة الاجتماعية وفي الدفاع عن الفئات المهمشة والمستضعفة في المجتمع.
أضافت أن الـ١٤٥٩ يوما المقبلة (ولاية ترامب) ستكون ١٤٥٩ يوما من المقاومة دفاعا عن حقوق المرأة التي هي حقوق الإنسان في كل مكان على هذا الكوكب بما في ذلك فلسطين.
 هذا تلخيص مركز للغاية لبعض الرسائل التي وجهتها المظاهرة، وقوبلت بتصفيق وحماس بالغين من الجمهور المحتشد في واشنطن.
وأكثر ما همني وأدهشني فيه ما اتسمت به الكلمات من جرأة وثقة نبعا من اعتزاز بالمواطنة واطمئنان إلى أنها توفر لكل مواطن حصانة تمكنه من أن يجهر برأيه دون خوف، حتى في نقده لأكبر رأس في البلاد.
 الأمر الذي يذكرنا بقيم العصر الإسلامي الأول الذي كان يسأل فيه خليفة المسلمين من أين لك هذا؟ وتفحمه امرأة أمام الملأ، فيعقب قائلا أصابت امرأة وأخطأ عُمر.
 لست أخفي أنني عارضت دائما موقف الانبهار بالحضارة الغربية، ودعوت إلى التعامل النقدي معها الذي يقدر فضائلها وينكر عليها رذائلها.
 وهذا الذي ذكرته من الفضائل لا ريب، وان كنت لا أستبعد أن يرد علي أحد المتحمسين قائلا: مهلا، فهذا الذي تحتفي به يمكن أن يحدث عندنا،  إذ بوسع أي واحد في بلادنا أن يقف في أي ميدان بأي عاصمة عربية ويوجه نفس النقد والتوبيخ بذات المستوى من الشجاعة والجرأة إلى الرئيس الأمريكي.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.

تاريخ النشر :- Jan 26 2017

تعليقات القراء