خصومة الحكومة مع الشباب بين الترهيب تارة والغواية تارة أخرى! - محمد عبد الحكم دياب

خصومة الحكومة مع الشباب بين الترهيب تارة والغواية تارة أخرى!
 

يبدو أن قضية الشباب ستستمر في فرض نفسها على المشهد السياسي المصري، فالسلطات الرسمية من جانبها تنشط على هذه الجبهة، وهناك اجتماعات حكومية لا تتوقف مع جماعات شبابية، ويتولاها مستشارا الرئيس المؤقت، ومسؤولو وزارة الشباب، وهناك اتجاه لعقد دورات إعداد لأولئك المختارين، وتأهيلهم لمناصب سياسية وتنفيذية، أو ليكونوا رديفا تحت الطلب، وبدأ الحديث عن مشروع ‘مفوضية الشباب’، وقد كان مثل هذا المشروع مناسبا فيما مضى؛ من خمسينات وستينات القرن الماضي، وكان حال مصر غير حالها الراهن، وكانت تعيش في زمن غير الزمن؛ كان زمنا للمد تحت رايات ثورة امتلكت مشروعا وطنيا واضح المعالم.. محدد القسمات.. توجهت بوصلته إلى السواد الأعظم من المواطنين؛ فلاحين وعمال وطبقة وسطى ومثقفين وصغار كسبة ورأسمالية وطنية، ونزل ذلك المشروع إلى حيز التنفيذ فورا؛ فبعد الاستيلاء على الحكم ألغيت الألقاب، ومُنع الفصل التعسفي للعمال، وصدر قانون تحديد الملكية الزراعية بعد ستة أسابيع من وصول الضباط الأحرار إلى الحكم. وغطى مشروع ثورة يوليو كل المجالات تقريبا. كان الشباب هم طليعة قوى الثورة وأساس البناء والتنمية والتغيير، وكان متوسط سن القادة والمسؤولين في ذلك الوقت نيف وثلاثين عاما، ومثلت اتحادات الطلاب ومنظمات الشباب ونقابات العمال والجمعيات المهنية روافد جارية ومتجددة تمد الدولة بالطاقة والحيوية اللازمة لإحداث التغيير المطلوب. وكان الجهد الأكبر مركزا على حشد الشباب والاعتماد عليه وتفجير طاقاته، فحولوا مصر إلى ورشة للعمل والإنجازات والبناء والإنتاج في المجالات كافة.تولت الدولة مسؤولية رعاية الشباب وإعداده؛ على قاعدة المساواة مهما كان وضعه الاقتصادي والاجتماعي ومستوى تحصيله العلمي، وامتد الاهتمام بالشباب إلى التربية العسكرية، وصارت جزءا من برامج التعليم العام والخاص في المدارس الثانوية والجامعات، واستجابت الدولة في ذلك لمقتضيات الدفاع وما تمليه ظروف الحروب، وبسبب تعدد صور العدوان الخارجي الذي تعرضت لها البلاد.كانت الرعاية متوفرة والإعداد قائم؛ بدءا بمراكز التدريب المهني لتكوين الفنيين والعمال المهرة، إلى برامج ومناهج التعليم النظري والعملي والتطبيقي؛ بأنواعها الفنية والرياضية والعسكرية، لتكتمل منظومة التربية والتعليم على أحدث الطرق المتقدمة والحديثة، وكان الشباب محور التنمية، التي تساعده؛ بحصيلة عائدها على تحمل أعباء الحياة، وترفع من مستوى دخله ومعيشته، وكانت عمليات الخروج أو الهجرة من البلاد منظمة ومنضبطة، فالبعثات التعليمية إلى الدول العربية والإفريقية، وغيرها من بعثات علمية للدراسة في الخارج، لم تكن عشوائية، وكانت للمتفوقين في أدائهم المهني والوظيفي، أو في تحصيلهم العلمي، وكانت للكفاءات، وليس للأثرياء، إلا إذا كانوا يتمتعون بالجدارة المطلوبة.كان المعلم أو المهندس أو الطبيب أو الفني؛ يُختار على أساس الكفاءة والتفوق، من غير وساطة أو رشوة، وكانت تعقد لهم دورات إعداد قبل السفر للخارج، تشمل التوعية بالمهمة الموفد لها المبعوث، وكيفية أدائها على الوجه الأكمل، بجانب التعريف بالبلد المقصود، وطبائع أهله وعاداتهم وثقافتهم، وكانوا سفراء؛ عكسوا وجها متميزا وحضاريا لمصر، ومن يسأل الأباء والجدود من بلاد العرب وإفريقيا والعالم عن مستوى الموفد أو المبعوث المصري لسمع قصصا وروايات ما زالت مصدر فخر تاريخي لذلك الجيل.والأوضاع الآن اختلفت؛ فمصر لم تخرج بعد من مرحلة الجزر؛ المستمرة لأكثر من أربعة عقود، ومستوى التعليم تدهور، والتأهيل غائب، وأقامت الأسر مدارس موازية في البيوت للدروس الخصوصية؛ لتعوض غياب المدرسة الرسمية والمعاهد والكليات الحكومية، وتراجعت برامج التأهيل الفني والرياضي، وأُلغِي الإعداد العسكري، بجانب أن الموقف من القوات المسلحة اختلف، وها نحن نعيش في عصر يعمل على هدمها؛ ضمن مخطط إسقاط الدولة الحالي، وكانت مراكز التأهيل التابعة لها لكسب المهارات وصقل القدرات، وكان من يضبط من الشباب يعاكس فتاة أو يتحرش بأنثى يرسل للتجنيد العسكري فيخرج شخصا آخر تماما.وينسى أرباب ‘مفوضية الشباب’ أنهم في عصر غير العصر، وظروف غير الظروف، فالعشوائية ما زالت سائدة، والفوضى غالبة، والشباب يدفع ثمنا مكلفا، فبجانب البطالة القاتلة هناك ظروف ضاغطة وقاهرة؛ تدفع به إلى الهروب من جحيم العنف والبطالة، بجانب تأثيرات سلبية ومتدنية سادت في العقود الأربعة الماضية، وتركت بصماتها على الشباب، وبسببها شاخ المجتمع وهرمت الدولة، بما فيها من بشر وحجر، وانعكس هذا على الثورة، وجاءت حكومات ما بعد ثورتي يناير 2011 ويونيو 2013 من كبار السن وأرباب المعاشات، وأغلبهم على خصومة مع الشباب؛ بالترهيب تارة والغواية تارة أخرى، وفي الحقيقة أن كل الجهود المبذولة منها – إرهابا وغواية – تتمحور حول أفراد ودوائر؛ منها ما هو محسوب على ‘دراويش البرادعي’، أو ‘بطانة عمرو موسى’ وبين الدراويش والبطانة يتمزق الشباب بين العاملين في بلاط الرئاسة المؤقتة ورئاسة الوزراء، وكلهم ‘يلعبون في دماغ الشباب’.مع من تتعامل ‘مفوضية الشباب’؟ وكيف ينضوي الشباب تحت لوائها؟ في واقع تعددية حزبية وتنوع رؤى وتباين مشروعات واختلاف عقائد سياسية (أيديولوجيات)؟ ومع ما ظهر من ائتلافات وجماعات؛ بعضها محسوب على الثورة وأخرى محسوبة على الثورة المضادة؛ وتضم فلول حكم مبارك البوليسي، وحكم الجماعة الدموي. وللا يمنع هذا من تأثير فرق راديكالية وأخرى إصلاحية، وجماعات سلمية وأخرى مسلحة؟. فما هي الخيوط التي تربط هذه الفسيفساء المتعددة الأحجام والمتنوعة الألوان؟والشيء بالشيء يذكر، ما دمنا بصدد تناول موضوع خاص بالشباب، فقد حولت إلى استاذة بجامعة القاهرة الأسبوع الماضي تعليق وصلها من أحد الشباب عبر الفضاء الألكتروني على مقال السبت قبل الماضي (8/ 2/ 2014)، وكان عنوانه ‘مدى سلامة دعوة إبعاد المخضرمين وكبار السن عن المشهد الوطني’، والتعليق مكتوب بلهجة عامية تخفي المستوى التعليمي والتحصيل الدراسي أو الأكاديمي والخبرة العملية لكاتبه، وخرجت من التعليق بانطباع ليس في صالح المعلق، حيث يكتب باللهجة العامية هروبا من اللغة العربية، وفيه ما هو مبسط ومفهوم، كالذي تُكتب وتُحرر به الصحف والمطبوعات السيارة؛ الورقية والألكترونية، وهي لغة صارت عابرة للهجات، ميسرة للفهم في أنحاء مصر بلهجاتها المتعددة، ومفهومة من العرب غير المصريين، وآمل ألا يكون المعلق من أنصار مدرسة ‘الفرانكو أراب’ في الكتابة الشبابية، وكثير منها انتشر لتنحية اللغة العربية جانبا واستبدالها بلهجة هجين؛ ممهدة لإقصاء اللغة العربية كلغة وطنية، وتحويل اللهجة إلى لغة، وهذا المسعى ليس جديدا، وواجهت اللغة العربية مراحل انحطاط وحروب ضارية شنها الغزاة وقوى الهيمنة الاستعمارية، وكانت منها دعوات استبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني؛ مثل ما حدث للغة التركية، وللعلم فإن التركية المكتوبة بالحروف العربية تسمى ‘لغة عثمانية’ أما اللغة الحالية فهي التي تُعرف باللغة التركية.ما علينا بدا التعليق وكأنه على شيء آخر لم يرد في المقال أو على أقل تقدير انتقى عبارات تخدم ادعاده، مدعيا أنني طالبت بإقصاء الشباب، ولو قرأ الموضوع مرة أخرى سوف يجد أنني حددت الشريحة الشبابية التي أعنيها، وسوف يجد أنها محددة بالإسم والوصف، واستشهدت بنموذج لهجوم على كبار السن، ردا على ‘ناشط ألكتروني’، وأشرت إلى اسمه بالأحرف الأولى، وكان قد سخر في مدونته من مشاركة كبار السن في الاستفتاء على الدستور، ووصفهم بقوله: ‘جيل عاش طول حياته يدمرنا بسكوته جاي النهاردة يدمرنا بصوته’، أي يسلبه حقه في الإدلاء بصوته في الاستفتاء، و’الناشط الألكتروني’ من الشباب الذي تمنحه أجهزة الإعلام في أوروبا والولايات المتحدة نوافذ يطل منها على الرأي العام الغربي، وتابعته مرة على القناة الأولى البريطانية المعروفة بـ’بي بي سي1′ في واحد من أهم برامجها السياسية والإخبارية؛ هو برنامج ‘هارد توك’ وترجمته الحديث الصعب أو الكلام الخشن، والشاب المقصود من أنصار الثورات الملونة، وهناك من أراد تلوين الثورة المصرية؛ لتكون على غرار ثورات شرق أوربا، وهي محاولات لم تنجح في مصر حتى الآن.وأذكر أنني التقيت بفتيات بميدان التحرير والثورة في ذروتها، ممن أطلقن على ثورة 25 يناير ‘ثورة اللوتس′ على غرار ‘ثورة الياسمين’ التونسية وربيع العرب تشبها بـ’ربيع براغ’ في 1968، وأول من استخدم وصف اللوتس لثورة 25 يناير صحافي بريطاني من أصل مصري؛ مناصر للتطبيع ومعاد للعرب والعروبة، وكرر ذلك كثيرا على شاشات تليفزيون هيئة البث البريطانية ‘بي بي سي’ أكثر من مرة، ورددها على شاشة الفضائية المصرية، وتبعه واحد من شعراء ونشطاء الإسلام السياسي، وكان ملء السمع والبصر لمكانة والده الدينية والفقهية، وكل من يعرفني يعلم أنني على تواصل يومي بشباب الثورة بكل فصائلهم، وحديثي متصل معهم وأشاركهم ما استطعت همومهم وأحاول تشجيعهم تطوير مواقفهم، وأقف خلفهم من أجل استكمال الثورة.وآمل أن يعيد الشاب قراءة الموضوع، ولا يقع في فخ الحصول على المعلومات من الوسائط الألكترونية وحدها، أو بما يُكتب على ‘الفيسبوك’ أو يُبث على ‘تويتر’، وهذه الوسائط تحول بين كثير من الشباب والقراءة الجادة؛ والاكتفاء بهذه الوسائط يجعل الحصول على المعرفة أقرب إلى وجبات ‘التيك أواي’، التي تملأ المعدة ولا تغذي الجسم أو تفيد الصحة، ومع ذلك يبقى الشباب هم الأمل، وكلما كان صلبا وواعيا ومثقفا كلما خطونا جميعا نحو المستقبل ونحن أكثر ثقة واطمئنانا.‘ كاتب من مصر يقيم في لندن

تاريخ النشر :- Feb 21 2014

تعليقات القراء