شعوبنا بين التغيير المنشود والأمر الواقع المفروض - د. سعيد الشهابي

شعوبنا بين التغيير المنشود والأمر الواقع المفروض
 

غالبية البشر تتمنى التغيير نحو الافضل، ولكن بدون الاستعداد لدفع ثمن ذلك التغيير. فعملية التطوير تحتاج لجهود وتضحيات يفضل الكثيرون ان لا يدفعوها. والتغيير يحتاج لتغيير النفوس وفقا للقانون الالهي الذي حددته الآية الكريمة: ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم. وليس بعيدا عن الحقيقة القول ان امتنا العربية والاسلامية بحاجة للتغيير في شتى المجالات، وان حالة من الارهاق النفسي وربما اليأس والقنوط اصبحت تمثل الحالة النفسية لعموم ابناء الامة. وقد كان لإقامة الكيان الصهيوني أثره المدمر على اوضاعها، فقد شعرت بالاحباط وهي ترى عجزها عن الذود عن نفسها امام الهجمات السياسية والعسكرية التي طالما تعرضت لها منذ منتصف القرن الماضي وما تزال مستمرة. مع ذلك فالحديث عن التغيير يحمل شجونا في نفوس النخب السياسية والدينية التي تتصدر المشهد السياسي وتسعى لتحقيق بعض ما تتطلع اليه الجماهير. وبرغم ان الوقت ما يزال مبكرا للحكم على ما حدث في مثل هذه الايام قبل ثلاثة اعوام من غضب شعبي فجر الاوضاع السياسية امام الاستبداد والاحتلال، الا ان المعطيات الاولى تشير الى تغلب قوى الثورة المضادة على المجموعات التي كانت تخطط للتغيير وتعمل لتحقيقه. هذه المرة لم تهزم الجماهير في ثوراتها، بل هزمت النخب السياسية التي تصدرت للمشهد السياسي وابعدت، بشكل تدريجي بوسائل شتى في ظروف مختلفة، قوى الثورة عن ميادين المواجهة. ويمكن القول ان ما حدث من عملية تخدير جماعية طالت ملايين الثائرين، تجاوزت في حجمها وعمقها ما شهدته الامة من مؤامرات طوال القرن الماضي. وجاءت الانقلابات المتعددة ضد التغيير بدرجة من الإتقان استطاعت بها استغلال النخب السياسية المحسوبة على قوى التغيير لتنفيذ خططها والمشاركة في الاعداد لتلك الانقلابات. فالثورات العربية حدثت بشكل مفاجىء بدون تخطيط سابق او قيادات متفق عليها. ويفترض ان تكون هذه هي الحالة الطبيعية للتغيير الثوري الناجح، ولكن كيف استطاعت قوى الثورة المضادة تحويل تلك السمات الى نقاط ضعف ساعدتها على هزيمة تلك النخب، هذا هو السؤال الذي لا يمكن الاجابة عليه بسهولة خصوصا مع غياب المعطيات المعلوماتية والظرفية لكل بلد بشكل منفصل.الامر المؤكد ان اجهاض المشروع التغييري في الدول العربية يعتبر من اكبر الجرائم التي ارتكبتها قوى الثورة المضادة والتي استطاعت بها اعادة عقارب الساعة الى الوراء، ليبقى نظام الاستبداد حاكما بدون منازع. ويكفي اعادة فتح ملفات مصر وليبيا وتونس واليمن وسوريا والبحرين لتتضح امور عديدة: اولها ان الشعوب قادرة على احداث التغيير عن طريق الثورة الشعبية، وان اية قوة بمفردها لا تستطيع منع التغيير بقمع الثورات. ثانيها: ان اي نظام سياسي لا يستطيع هزيمة شعبه اذا ثار ذلك الشعب بالشكل الذي حدث في مطلع العام 2011، مهما بلغت القوة العسكرية والامنية لذلك النظام. ثالثها: ان الجماهير تمتلك قرون استشعار خاصة، تمكنها من رؤية الاخطار المحدقة والمؤامرات الخفية، وان فطرتها تساعدها على اكتشاف ذلك، وبالتالي تصبح تلك الشعوب محصنة امام محاولات التخدير او الاسكات. رابعها: ان النخب السياسية معرضة للانخداع بالوعود الرسمية، خصوصا ان طبيعة عملها السياسي يجبرها على السعي لعدم ازعاج النظام السياسي القائم، خشية من قطع خيوط التواصل معه، او خشية من قمعه المفرط. وبالتالي تمثل تلك النخب مواقع ضعف في جسد الثورة التي يستعصي روادها على محاولات الاحتواء ولا يمكن خداعم بسهولة. خامسا: ان غياب القيادات السياسية المتفق عليها للثورات يمثل عامل قوة وعامل ضعف في الوقت نفسه. فوجود القيادة الثورية يساهم في الحفاظ على الثورة وحماية جماهيرها ويساعد على ابقاء جذوة الحراك الثوري متقدة. ولكن تلك القيادة، ان لم تكن بمستوى المسؤولية والتحدي، قد تضعف امام الضغوط السياسية او الامنية وتقبل انصاف الحلول. ثورات الربيع العربي كانت قادرة على تحقيق التغيير الكامل، فقد توفر لها زخم جماهيري غير مسبوق وتعاطف دولي غير متوقع، ونظرا لقوة تلك الثورات وما تنطوي عليه من تغيير، فقد توافقت قوى الثورة المضادة على مواجهتها ومنع حدوث التغيير بأي ثمن. وجاءت الانقلابات ضدها تباعا بأشكال شتى. ففي حالة مصر حدث الانقلاب العسكري لينهي كافة انجازات الثورة ويعيد الجنرالات الى السلطة ومعهم اعمدة الحكم في عهد حسني مبارك. وما حدث في مصر هو الانقلاب الاخطر والأوضح في اهدافه والأبلغ في رمزيته. وبسبب ذلك فمن المتوقع ان يؤدي ذلك الانقلاب الى تبعات خطيرة من بينها تصاعد وتيرة العنف وغياب الاستقرار والامن في اكبر بلد عربي. اما في البلدان الاخرى فقد اتخذ الانقلاب ضد الثورة اشكالا اخرى. ففي ليبيا جاء التغيير بتدخل غربي سافر، الامر الذي ادى الى اضعاف الدولة وانتشار الفوضى وتمركز مجموعات التطرف والعنف، ودخول البلاد في عالم المجهول مع بقاء شبح التقسيم مخيما على البلاد.وفي تونس التي تبدو للوهلة الاولى انها حققت التغيير المنشود، تعرضت التجربة لهزات عديدة، ومورست ضغوط كثيرة على التيار الاسلامي الذي تقوده حركة النهضة حتى اخرجت من الحكم، واجبرت للقبول بموقع اقل مما حدده الناخبون لها، واصبح عليها ان تتنازل عن كثير من ثوابتها واهدافها لمنع تكرر ما حدث في مصر. وتشير المعطيات الى بقاء اعمدة الحكم السابق في مواقعهم، بينما اتيح هامش ضيق للقوى التي تصل الى الحكم عبر صناديق الاقتراع. وتونس ليست بمعزل عن مجموعات العنف والتطرف التي تستخدمها قوى الثورة المضادة سلاحا ضد قوى التغيير والديمقراطية. فهذه المجموعات تواصل محاولاتها للسيطرة على المساجد ومواقع التأثير، بالاضافة لاحتفاظها بالسلاح الذي حصلت على كميات منه مما كان لدى الدولة قبل سقط نظام القذافي. لقد سعت حركة النهضة لمنع تكرر سيناريو الانقلاب العسكري الذي حدث في مصر، ولكنها ليست بمنأى عن الخطر الذي تمثله القوى المضادة للتغيير المدعومة بالمال النفطي غير المحدود. وتراقب السعودية الوضع التونسي عن كثب، وتتواصل بشكل دائم مع الرئيس التونسي المخلوع، زين العابدين بن علي، الذي يعيش في منفاه بالسعودية.ليس الهدف هنا اعادة فتح ملف منجزات الثورة في الدول العربية التي شهدت تلك الحراكات، وانما المهم استيعاب ديناميكية الحراك السياسي في المنطقة العربية، ووجود خطة دولية للحفاظ على الوضع الراهن بدون تغيير يذكر. التغيير ما يزال مطلبا للشعوب، وهو الذي دفعها للثورة وتقديم الضحايا بمعدلات عالية. ولكن القوى المتضررة من التغيير وقفت، وستظل واقفة، بوجهه، مستخدمة ابشع ما لديها من اسلحة للحفاظ على الوضع الراهن ومنع التغيير. ومع ان الجماهير الواسعة تتطلع للحرية والديمقراطية واحترام حقوق الانسان، ولكنها كذلك غير مستعدة لخوض المعركة التغييرية الى النهاية خصوصا مع وجود من يثبطها عن ذلك ويوهمها بامكان إصلاح انظمة الاستبداد واجبارها على الديمقراطية. قوى الثورة المضادة تعلم ذلك، وتسعى لضمان مصالحها في حال التغيير او عدمه. وتأتي الزيارة المزمعة التي سيقوم بها الرئيس الامريكي، باراك اوباما، الشهر المقبل للسعودية، لتكشف مدى التزام الغرب بالنظم السياسية العربية، مهما كانت متخلفة وديكتاتورية.ان الصراع بين الواقع الراهن الذي يتسم بالاستبداد والتخلف والقمع والتغيير المنشود الذي سيحقق تحسنا في اوضاع الحريات العامة لن يتوقف برغم الاخفاقات التي حدثت في الاعوام الثلاثة الاخيرة. الغربيون يعلمون ذلك، وكذلك وكلاؤهم المحليون. يعرف هؤلاء جميعا ان الوضع الحالي لا يمكن الحفاظ عليه لانه مخالف للطبيعة الانسانية ويتنافى مع المستويات العالمية للحكم المقبول. يعلمون ايضا ان المال النفطي استخدم ببشاعة لقمع الشعوب واسناد انظمة الاستبداد في الشرق الاوسط. ونجم عن ذلك حمامات من الدم سالت في شوارع الدول التي شهدت حراكات تهدف للتغيير. فالدماء التي تسيل يوميا في العراق لا تختلف عن تلك التي تراق في سوريا. وما جرى في مصر العام الماضي على ايدي العسكر لا يمكن اعتباره حلا لمصر. فاذا كان البعض في بداية الامر قد خدع بالعسكر، فقد اصبحت الصورة الآن اكثر وضوحا، وتبين ان انقلاب 30 يونيو كان كذبة كبرى تم تمريرها على الثوار والسياسيين على حد سواء. وفشلت النخب العربية في اداء دورها بالتصدي للانقلاب وكشف حقيقته للجماهير. كان على هذه النخب ان تقف ضد الانقلاب وتكون اكثر وفاء لصناديق الاقتراع وما يتمخض عنها، ففي ذلك احترام للشعب وخياره. فالعسكريون لا يمكن ان يحققوا الديمقراطية للشعوب، ويجب حصر دورهم بالدفاع عن الاوطان، وحماية الامن العام للشعوب، وليس قيادتها او الهيمنة عليها. ثوار مصر العلمانيون اشتكوا الاسبوع الماضي من التعذيب الذي حل بهم في غياهب سجون العسكر، وادركوا حجم التضليل الذي تعرضوا له ودفعهم لدعم الانقلاب ضد الاخوان المسلمين. سجون مصر اليوم تضم اكثر من عشرين الف مواطن ليس لأغلبهم ذنب سوى رفضهم الانقلاب العسكري. وسجون البحرين تضم اكثر من 3000 سجين سياسي يرفضون الاستبداد المدعوم بما يعتبرونه ‘احتلالا’ سعوديا. وما يزال اليمن يعج بالعنف والتطرف، وكلاهما من اهم عوامل الاضطراب والتوتر. فقد أزيح الرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح، ولكن نظامه بقي مسيطرا بشكل كامل. ولقد اجهضت ثورة اليمن بالتدخل الخليجي بالمال والضغط السياسي على الغربيين. وما يزال ثوار اليمن يعيدون حساباتهم لتجديد ثورتهم وتحرير البلاد من قوى الثورة المضادة التي تضم المجموعات المسلحة التي تتبنى الطائفية والتكفير اسلحة ضد مناوئيهم.ليس معلوما بعد ما الذي سيناقشه الرئيس الامريكي، باراك اوباما، مع السعوديين حين يلتقيهم الشهر المقبل. لقد كان الامريكيون يعولون على احفاد عبد العزيز لتطوير البلاد وتجاوز النمط السعودي القديم في الحكم. ولكن آمالهم خابت حين اكتشفوا ان الجيل الجديد الذي يمثله بندر بن سلطان، ومحمد بن نايف وتركي بن فيصل ليس افضل من آبائه، فكلهم حريص على بقاء البيت السعودي حاكما، ولا يرغب في شراكة سياسية من احد. اوباما سيجد نفسه محرجا امام مضيفيه الذين يعلم ان نظامهم غير قابل للاصلاح، وانهم يمثلون عثرة في طريق التغيير الديمقراطي الايجابي. امريكا تدرك ان صراع الشعوب العربية من اجل التغيير يواجه من قبل تحالف قوى الثورة المضادة الذي يرفض التغيير الديمقراطي ويدفع للحروب لكي ينشغل العالم عن مشروع التغيير السلمي نحو الحرية. وامام باراك اوباما فرصة للتحدث بوضوح مع السعودية حول قضايا عديدة في ضوء العديد من التطورات: اولها الحراك العربي الذي تصدت السعودية له تارة بالاحتلال المباشر كما حدث في البحرين، او التحريض الاعلامي لمنع حدوثه في اليمن، واخرى بالدعم المالي الذي يوفر للحكام الجديد شرعية وجودهم في المراكز العليا للقرار، ورابعا بالتآمر مع الجنرالات لتنفيذ الانقلاب العسكري ضد الحكم المنتخب. ثانيها: فشل الجيل السعودي الجديد في احداث تغيير بنيوي او سياسي في المملكة التي ما تزال مرتبطة بمؤسسها الملك عبد العزيز من خلال ابنائه، واحفاده الذين يحكمون وفقا لمنطق الغلبة. مشكلة ما تقدم انه يفترض رغبة الولايات المتحدة في التغيير وحرصها على ترويج مشروعها الديمقراطي، وهو افتراض لا يصدقه الواقع، ولا تؤكده سياسات الادارات المتعاقبة للبيت الابيض. وهكذا تبدو الشعوب العربية، مرة اخرى، محاصرة بواقع مرير تهيمن عليه قوى الاستبداد والقمع، وترفض القوى الغربية الكبرى تغييره لان مصالحها ارتبطت بتلك الانظمة البالية. وهكذا يصبح الوضع العربي اكثر تجليا لدى من يريد معرفة الحقيقة ويسعى لتحقيق التغيير. فأساس التغيير مرتبط بنفس الانسان الذي هو جزء من المجتمع. ولن يتحقق التغيير ما لم يتعمق ايمان الشعوب بقدرتها على التغيير وانها اقوى من انظمتها سياسيا واخلاقيا ونفسيا. وقد تبدو التضحية من اجل التغيير كبيرة وثقيلة، ولكنها على المدى الأبعد، أقل كلفة وأبعد أثرا. وعليه فالتغيير مرتبط بارادة الشعوب القادرة على هزيمة قوى الثورة المضادة ان التزمت بخيار الثورة السلمية الشاملة بعيدا عن دهاليز السياسة والمغالبة الدبلوماسية والاعتماد على الذات، وتجاهل ارجاف قوى الثورة المضادة.‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

تاريخ النشر :- Feb 19 2014

تعليقات القراء