جناية المسلسلات على الحروب العادلة - مالك التريكي

جناية المسلسلات على الحروب العادلة
 

قبل أيام كتبت الوزيرة المشرفة على إحياء الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى في بريطانيا، هيلين غرانت، أن النصر في تلك الحرب لا ينبغي أن يكون مدعاة للاحتفال والابتهاج. وشرحت أنه لا سبيل إلى إنكار حقيقة أن ‘النصر المؤزر’ الذي أحرزته بريطانيا والحلفاء قد غير مجرى التاريخ العالمي بطرق شتى، ‘ولكننا لن نحتفل، ولن نعزف موسيقى النصر. إذ يجب أن لا ننسى أنه بمثلما غيرت الحرب التاريخ، فقد أدت إلى حصد أرواح ستة عشر مليون نسمة وإصابة عشرين مليونا آخرين في مختلف أنحاء العالم. ولهذا فإن ما يجدر بنا هو إحياء الذكرى على الوجه الصحيح: لا أعني أربعة أعوام من الحزن والغم، ولكن لا رقص في الشوارع أيضا’.وكان الجدل في بريطانيا قد بدأ بالحملة التي شنها وزير التعليم مايكل غوف مطلع هذا العام على من سماهم ‘الجامعيين اليساريين’ لميلهم، حسب قوله، إلى التهوين من شأن تضحيات جنود بريطانيا وإلى عدم تقدير الروح الوطنية الفياضة التي كانت تحدوهم آنذاك حق قدرها. وبلغ من عنف غوف في الحمل على مخالفيه أنه لم يحجم عن عرض مشهد نادر من مشاهد الـ(لا)انسجام الحكومي عندما أعلن، في مقال نشره في جريدة ‘ديلي ميل’ اليمينية، عن استنكاره لموقف وزارة الخارجية ووزارة الدولة للثقافة الداعي إلى عدم اغتنام مناسبة المائوية لتحميل ألمانيا مسؤولية اندلاع الحرب. وردد غوف، الذي كان صحافيا في التايمز في التسعينيات، موقف المحافظين المعروف: وهو أن حرب 1914 كانت ‘حربا عادلة’، بالمعنى المتداول في التراث المسيحي، لصد عدوان نخبة ألمانية اعتنقت ‘الداروينية الاجتماعية’ وتعلقت همتها بالهيمنة على العالم.وانتقد وزير التعليم أستاذ التاريخ في جامعة كمبردج ريتشارد إيفنز الذي قال إن البريطانيين الذين خاضوا الحرب كانوا مخطئين في الاعتقاد بأنهم كانوا يقاتلون دفاعا عن الحرية. وقال غوف إن المسلسلات التلفزيونية الجماهيرية، وخصوصا الهزلية منها مثل ‘بلاكادار’، قد ساهمت، على مدى العقود السبعة الماضية، في نشر أباطيل من قبيل أن الحرب لم تكن سوى سلسلة من الأخطاء المأساوية التي ارتكبتها نخبة سياسية وعسكرية عديمة الكفاءة وضعيفة الصلة بالواقع. كما أن أحد أشهر الانطباعات التي أشاعتها صحافة ذلك العهد هو أن الجنود البريطانيين في الحرب العالمية الأولى كانوا بمثابة ‘أسود يقودهم حمير’.وقد رحب وزير التعليم في حكومة الظل تريستام هانت، وهو مؤرخ من خريجي كمبردج، بما قالته هيلين غرانت عن وجوب الترفع عن النزعة الانتصارية وعدّه تعبيرا عن موقف حكومي أكثر رصانة واحتراما لمختلف الحساسيات. وكان هانت قد رد قبل ذلك على غوف بمقال على صفحات الغارديان انتقد فيه شعبويته وتبسيطاته المخلة بشروط الفهم التاريخي العميق واغتنامه المائوية لانتقاد الخصم السياسي وبث الفرقة في المجتمع. وأوضح هانت أن أسباب الحرب ومقدماتها كانت من التشابك والتعقيد بحيث لا يكفي في فهمها الركون إلى كليشيهات اليمين حول عدوانية ألمانيا واضطرار بريطانيا وفرنسا وأمريكا إلى الدخول في حرب دفاعية عن النظام الليبرالي الغربي.

تاريخ النشر :- Feb 16 2014

تعليقات القراء