ثورة البحرين: الزهرة الاخيرة من الربيع العربي - د. سعيد الشهابي

ثورة البحرين: الزهرة الاخيرة من الربيع العربي
 

النفحة الاخيرة من نسيم الربيع العربي ربيع العام 2014 يختلف في اغلب بلدان ‘الربيع العربي’عنه في البحرين التي ما تزال تعيش ربيع أيامها من خلال ثورة شعبها التي لم تتوقف.ففي مثل هذه الايام قبل ثلاثة اعوام، كان عالم شعوبنا العربية مفعما بروح الثورة والتغيير، متوحدا في شعاره التاريخي ‘الشعب يريد اسقاط النظام’، تخفق قلوب ابنائه في مشرقه لما كان يحدث من حضور جماهيري في شوارع تونس وطرابلس والقاهرة. الكل بدا منعتقا من عقود التكبيل والاستعباد الذي فرضه الاستبداد على الامة، ومتطلعا لحرية افتقدها وديمقراطية لم يمارسها ووحدة يتطلع اليها. وفي غضون أقل من ثلاثة اعوام تبدلت تلك الاجواء بعد ان عصفت بها رياح التخلف المفتعلة التي غذتها اموال النفط العربية وخبرات الامن الغربية. وفيما بقيت تونس محتفظة بهيكل ‘التغيير’ الذي حققه شعبها بدماء شهدائه، سقطت التجربة المصرية بأيدي العسكر فتنفست اعمدة نظام حسني مبارك الصعداء حتى ان بعضهم قرر خوض الانتخابات الرئاسية. وليبيا ما تزال تبحث عن أمنها ووحدة ترابها، بينما دخلت سوريا في دوامة من العنف الذي لم تشهد المنطقة له مثيلا منذ تجربة الجزائر قبل عشرين عاما. ولم تكتمل ثورة اليمن بل اجهضت وبقي النظام القديم مع تغييرات سطحية طفيفة. اما ثورة البحرين فقد وقفت قوى الثورة المضادة ضدها منذ اليوم الاول وسعت لاجهاضها بوسائل شتى: اولى هذه الوسائل السلاح الطائفي الذي استخدم لتوصيفها، وتمت تعبئة كافة وسائل اعلام قوى الثورة المضادة لتعميمه، واستخدمت عناصر دينية لترويج ذلك عبر مشروع لاستدراجها الى المستنقع الطائفي، فكان ذلك بداية سقوط تلك العناصر ومن تنتمي اليه. ثانية الوسائل التدخل العسكري المباشر، ففي غضون أسابيع أربعة تدخلت القوات السعودية لقمع ثورة شعب البحرين. المفارقة في الامر ان العالم وقف ضد الاجتياح العراقي لاراضي الكويت في 1990 وشن ضدها اكبر حرب تكنولوجية في العصر الحديث، بينما دعم الاجتياح السعودي للاراضي البحرانية. وما تزال القوات السعودية متواجدة بسبب استمرار الثورة. ثالثة هذه الوسائل: امداد الحكومة البحرينية بالخبرات الامنية الغربية، خصوصا البريطانية والامريكية، لضمان كسر شوكة الثورة (وفي مقدمة تلك الخبرات نائب رئيس شرطة لندن السابق، جون ييتس، وجون تيموني، رئيس دائرة شرطة ميامي الامريكية). رابعة هذه الوسائل تمثلت بالاعلام العربي الذي تهيمن عليه اموال النفط، فقد تجاهل ثورة البحرين تماما، حتى لكأنها لم تحدث.برغم وسائل قوى الثورة المضادة، فقد تواصل الحراك الشعبي ولم تتوقف الثورة حتى الآن. ويمكن القول ان ثورة البحرين هي الاطول عمرا، فلم يمر يوم واحد بدون خروج مسيرات واحتجاجات، والاكثر التزاما بالاساليب السلمية، والأقل خضوعا للتأثيرات الاقليمية، والأشد وعيا باساليب قوى الثورة المضادة. يضاف الى ذلك ان الحراك البحراني يحدث في أشد مناطق الشرق الاوسط حساسية من وجهة النظر الانكلو ـ امريكية. وأقربها لمنابع النفط في الجزيرة العربية. والبعد السعودي هنا له اهميته الخاصة، فهو العامل الأكثر اثارة للجدل في السجال الاستراتيجي الغربي. وما يزال الغربيون متشبثين بمبدأ الحفاظ على الحكم السعودي كحليف استراتيجي لا يمكن التفريط به، وكعامل استقرار، من وجهة النظر الامنية البحتة، في منطقة قابلة للاشتعال في اي وقت، وكنظام مستعد لمقايضة امنه بالتعامل مع الكيان الاسرائيلي والقبول به والتعاون الامني والعسكري معه. وما ان تطرح قضية ثورة البحرين امام الغربيين، حتى يقفز البعد السعودي كمبرر للسياسة الغربية التي اصبحت معروفة بازدواجية معاييرها ومواقفها. وليس غريبا القول ان العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة توترت بعد انفجار الثورات العربية بسبب التباين التكتيكي بين الطرفين. فالسعودية كانت تأمل حدوث تدخل امريكي مباشر ضد الثورة في مصر لمنع سقوط حسني مبارك، ولكن اوباما كان مترددا في دعم واحد من اعرق الديكتاتوريين في المنطقة. وشجعت الغربيين على التدخل ضد نظام معمر القذافي فحدث ذلك، ثم ضغطت على الولايات المتحدة لكي تتدخل عسكريا في الشأن السوري. ولما لم يحدث ذلك توترت العلاقات مجددا. لقد كان تدخل السعودية العسكري المباشر في البحرين تطورا محرجا لواشنطن ولكنها لم تقف ضده، وبذلت جهودا مضنية لتبريره والتأكيد بانه يختلف عن اجتياح القوات العراقية للكويت. ولا شك ان التدخل السعودي كان عاملا حاسما لحماية العائلة الخليفية الحاكمة في البحرين.ويقول المعارضون البحرانيون ان التدخل السعودي في منتصف آذار/مارس 2011 يؤكد ان الثورة البحرانية استطاعت في غضون اربعة اسابيع اسقاط الحكم الخليفي سياسيا، والا فلماذا حدث التدخل؟البعد الايراني لم يكن غائبا عن ثورة البحرين حاضرا وماضيا. فما ان تحدث اضطرابات سياسية في هذا البلد حتى يستحضر البعد الايراني ويتم الترويج ضده لتبرير التدخلات الاخرى. هذه المرة جاء نفي الدور الايراني رسميا في التقرير الذي اعدته اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق التي ترأسها الدكتور شريف بسيوني.هذا التقرير الذي صدر في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 اكد عدم وجود ادلة ملموسة على تدخل ايراني.اللجنة كانت شبه رسمية، تشكلت بضغط دولي وجاء تمويلها من خزينة الدولة بشكل رسمي. ويفترض ان اثبات التقرير غياب البعد الايراني كان كافيا لمطالبة القوات السعودية بالخروج، لانها جاءت بذريعة حماية البحرين من تهديدات خارجية. ولم يشكك احد بان ايران هي المقصودة بذلك. ولكن برغم سقوط التهمة ضد ايران، الا ان القوات السعودية بقيت في الاراضي البحرانية مع اعتراض الشعب الذي يرفض اي تدخل اجنبي مهما كانت الظروف. هذا التدخل السعودي ادى الى نتائج كارثية. ففي غضون شهرين من تدخله تم هدم اربعين مسجدا، وقتل اكثر من مائة مواطن اما برصاص الشرطة او بالتعذيب في السجون، وتم تسريح اكثر من 4000 مواطن من وظائفهم، واعتقل الاطباء والممرضون والرياضيون بسبب مشاركتهم في الثورة. كما اكتظت السجون بالنساء والاطفال. اللجنة طرحت توصيات كثيرة من بينها محاسبة المسؤولين عما اسمته ‘التعذيب الممنهج’ واطلاق سراح قيادة الثورة لعدم ثبوت اي جرم بحق افرادها، وانتهاج سياسات تساوي بين المواطنين في التعامل. ولكن شيئا من تلك التوصيات لم يجد طريقه للتنفيذ. وفي الاسبوع الماضي صدر قرار قوي من البرلمان الاوروبي في ستراسبورغ طرح توصيات كثيرة في مقدمتها اطلاق سراح جميع السجناء السياسيين الذين يربو عددهم في الوقت الحاضر على 3000 مواطن، ما بين رجل وامرأة وطفل. التقرير الاوروبي دعا السلطات البحرينية إلى وضع حد فوري لجميع أعمال القمع، بما في ذلك المضايقة القضائية والاختفاء القسري والقتل، بحسب ما ورد في المشروع، وإلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع سجناء الرأي والنشطاء السياسيين والصحافيين والمدونين والأطباء والمسعفين خارج نطاق القضاء، وكذلك الإفراج الفوري عن المدافعين عن حقوق الإنسان والمتظاهرين السلميين، وخصوصاً الناشط الحقوقي عبدالهادي الخواجة والأمين العام لجمعية ‘وعد’ إبراهيم شريف، اللذين مازالا في السجن لممارستهما حقهما في حرية التعبير والتجمع.لقد صدر عن المجتمع الدولي تقارير كثيرة تدين ممارسات نظام الحكم في البحرين ضد المواطنين خصوصا المشاركين في الثورة المتواصلة. فما الذي يمنع الحكومة البحرينية من تنفيذ مئات التوصيات التي صدرت عن لجنة تقصي الحقائق المذكورة ومجلس حقوق الانسان وتقرير الاتحاد الاوروبي ولجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان البريطاني؟ انها تعتمد على عدد من العوامل التي تستند اليها لمواجهة الضغوط الخارجية لتنفيذ التوصيات الجوهرية. اولها اعتقادها ان تنفيذ تلك التوصيات سيؤدي تدريجيا لاسقاطها. فالسماح بحرية التعبير والتجمهر والاحتجاج، واطلاق سراح السجناء السياسيين وفي مقدمتهم قادة الثورة، والتوقف عن التعذيب وسوء المعاملة والاعتقال التعسفي، ومنع الاعتداء على المتظاهرين، كل ذلك يشجع المواطنين للاستمرار في المطالبة بالديمقراطية وانهاء الحكم الاستبدادي. ثانيها: ان الحسابات البسيطة تقنعها ان بامكانها ان تتحمل الضغوط الخارجية وتبقى حاكمة، بينما تنفيذ التوصيات سيؤدي حتما الى التغيير. ثالثها: انها تستند للدعم السعودي العسكري والاقتصادي، وبالتالي فلا تستطيع الثورة مواجهة الثقل العسكري السعودي، رابعها: ان الدعم السياسي والامني من دول غربية خصوصا بريطانيا يمكنها من التصدي لمناوئيها ومنعهم من اسقاط نظام الحكم، وذلك اكثر ضمانا لبقاء النظام، من تنفيذ التوصيات.خامسها: ان رموز الحكم ومستشاريهم الغربيين يوازنون بين الربح والخسارة ازاء مئات التوصيات، ويشيرون على المسؤولين عدم تنفيذ التوصيات نظرا لعدم وجود آلية دولية لاجبارهم على ذلك، وبالتالي عليهم الاستعداد لتلقي الشجب الدولي والاستنكار والاتهام بارتكاب جرائم ضد الانسانية، فذلك كله لن يؤدي الى سقوطهم طالما بقيت قبضتهم الامنية محكمة. فغياب ارادة الفعل الدولية من اهم عوامل تشجيع انظمة الظلم والاستبداد على الاستمرار في ممارساتهم.وتحسبا لتصاعد الضغط الدولي وتوسع دائرة الثورة، طرحت السعودية مشروع ‘الاتحاد الخليجي’ في قمة الرياض التي عقدت في كانون الاول/ديسمبر 2011 لتكرار ما حدث في البحرين مستقبلا، وضمان قدرتها على التدخل في شؤون دول مجلس التعاون الاخرى كلما اقتضت الحاجة. ولم توافق على المقترح السعودي الا حكومة البحرين التي تعتبر نفسها مدينة للسعودية التي تدخلت لقمع الثورة الشعبية ضدها. وفي مؤتمر ‘حوار المنامة’ الذي عقد في البحرين، اعلنت سلطنة عمان علنا معارضتها لمشروع الاتحاد، وذهبت الى ابعد من ذلك. وقال وزير خارجيتها، يوسف بن علوي، ان بلاده ستنسحب من مجلس التعاون فيما لو اعلن قيام الاتحاد. فدول مجلس التعاون لا تعاني من الاضطراب السياسي فحسب، وهو اضطراب استطاعت دول اخرى مثل عمان والكويت احتواءه مرات عديدة، بل يشمل كذلك التمايز المذهبي الذي يستغل احيانا لاثارة الاضطراب والتوتر. وفي السنوات الاخيرة رأى بعض دول المجلس الدعم السعودي للمجموعات المتطرفة والتكفيرية تهديدا لامنها الاجتماعي والديني، فقطاع كبير من شعبي عمان والبحرين والكويت وقطاعات اصغر من الامارات وقطر تعتبر كافرة في نظر المؤسسة الدينية السعودية. وثمة مشكلة اختلاف اخرى بين دول المجلس، تتمثل بتباين المواقف السياسية ازاء القضايا الاقليمية. ففيما دعمت قطر ثورات الربيع العربي (ما عدا البحرين) ووقفت مع جماعة الاخوان المسلمين في تونس ومصر، فقد التزمت السعودية موقفا معارضا لذلك تماما، وعملت مع جنرالات مصر لاسقاط حكم الاخوان ممثلا بالرئيس محمد مرسي، الذي صعد الى المنصب عبر صناديق الاقتراع. وثمة توتر في العلاقات غير قليل بين السعودية وعمان بسبب الدور العماني في التوسط بين الولايات المتحدة وايران والتوصل لاتفاق تاريخي بينهما. هذا الموقف اغضب الرياض كثيرا، ومن المرجح ان يتصاعد الغضب ليصل الى مواقف سياسية متشنجة.ثورة البحرين انطلقت في منطقة تعاني، كما سبق، من تشنجات سياسية ومذهبية غير قليلة. وقد تنكر لها النظام الرسمي العربي، ولم يخف عداءه لها وتآمره ضدها. لكن البحرانيين ينظرون لذلك من زاوية اخرى، ويرون ان جميع الثورات العربية مرفوضة من النظام الرسمي العربي الذي يرفض التغير او التطور. وبرغم ما نالهم من غبن واستبعاد واتهام، يرى المعارضون البحرانيون انهم استطاعوا إطلاق ثورة هي الاطول عمرا، والانقى اهدافا، والاكثر سلمية، والاقوى دعوة لوحدة الامة، والابعد عن الدعوات الطائفية او المذهبية. وبرغم القمع الذي تعرض له شبابها ونساؤها، فقد تجاوزت مرحلة الخطر، وتعلم ان بقاء نظام الحكم اصبح معتمدا على استمرار الوجود العسكري السعودي على اراضيه، وهو حقيقة يسعون لايصالها للعالم الذي فضل الصمت على ما يعتبرونه ‘احتلالا’ لا يختلف في طبيعته وشكله عما حدث في الكويت قبل ربع قرن. ثورة البحرين تعتبرها جماهيرها جزءا من الربيع العربي، وقد استهدفت بالاساليب نفسها التي استخدمت ضد بقية الثورات، وكانت الطائفية من اشد الاسلحة فتكا، وساهمت في اسقاط نظام الاخوان، واحداث التوتر في تونس. شعب البحرين يؤمن انه جزء من امة عربية مسلمة، وان التغيير السياسي في هذه الامة عملية مترابطة، فلا يمكن ان تنجح ثورة وتفشل اخرى الا وفق هندسة سياسية معقدة لا تصمد طويلا امام صمود الشعوب ووعيها. كما ان تحرر الشعوب العربية من الاستبداد والديكتاتورية ضرورة لتحرير اراضيها من الاحتلال والهيمنة والتخلف. ثوار البحرين يبعثون هذه الرسائل لاخوانهم العرب والمسلمين آملين ان يطل ربيع ثورة آخر على بقية اطراف العالم العربي لتتفتح ازهار الحرية مجددا وتسقط اوراق الاستبداد الذابلة وتحتضنه ثورة البحرين التي ما تزال تعيش ربيع أيامها. ‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

تاريخ النشر :- Feb 11 2014

تعليقات القراء