النبطية لبنان الجنوبي : مستشفى لتصليح الأحذية!!!

النبطية لبنان الجنوبي :  مستشفى لتصليح الأحذية!!!
 




النبطية لبنان الجنوبي : مستشفى لتصليح الأحذية!!!

تحقيق د.خالد ممدوح العزي _النبطية

عند دخولك إلى سوق اللحمة في النبطية، محافظة جبل عامل اللبنانية, حيث يعتبر المكان من أشهر الأماكن في المدينة "سوق المقاصد الشعبي"، وإثناء التنقل في السوق وسط رائحة اللحمة المشوية التي تفوح وتسيطر على المكان ومن خلف محلات الخضار والفاكهة يلفت نظرك أرمة كبيرة معلقة على باب إحدى المحلات، كتب عليها بالخط الكبير والعريض، "هنا مستشفى الأحذية لمعاينة كافة أنواع الأحذية ". ومهنة تصليح الأحذية من أقدم المهن وأكثرها شعبية وانتشارا. مع توالي السنوات بقيت هذه المهنة موجودة مع بعض التعديلات التي ساهمت بتطوير أدواتها لتصبح مرنة وأكثر سهولة في الاستخدام. وللتعرف أكثر على هذه المهنة التي يروي قصتها المعلم علي توفيق الخيط أو كما ينادى عليه الدكتور بقوله: لقد اعتدت العمل في هذا المستشفى منذ العام 1986، هذه المهنة التي يعتاش منها اليوم مع عائلته كما يخبرنا، هي التي أمنت له رزقه على مدار السنين الماضية والمصدر الوحيد للدخل الحالي عنده، لقد تعلم المصلحة وهو في المدرسة، كان يدرس ويعمل في نفس الوقت، فكما يقول المعلم علي"لقد تعلمتها في بيروت في منطقة برج حمود من العاصمة اللبنانية، على يد معلمي الأول وهو من التبعية الأرمينية التي تقطن هذه المنطقة، لقد أنهيت الصف التاسع من الدراسة "شهادة البريفه باللبنانية "واشتعلت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، ولم استطيع متابعة علمي بالرغم من حبي الشغوف إلى مطالعة الكتب ومتابعة الدراسة، لقد أخرجتنا نيران الحرب ولهيب الطائفية من المنطقة، خرجت مع أهلي من المكان التي ولدت فيه، من الشطر الشرقي للعاصمة كما كان متعرف عليه في أيام الحرب، حاملا معي فقط صنعتي الجديدة التي تعلمتها.



إنها مهنة صناعة الأحذية التي تعلمها علي الخياط وعمل فيها لفترة قصيرة في مكان إقامته الجديدة، وبعده حمل السلاح مثل كل الشباب من جيله في لبنان، ولكن الأمر انتهى بي فيما بعد للعمل وممارسة مهنتي ومنقذتي الوحيدة. أما بالنسبة إلى الزبائن يخبرنا الدكتور علي بالقول: "زبائني كثر هم من جميع الطبقات ومن جميع الفئات والمستويات، ومن أصحاب الدخل المحدود والفقراء الذين لا يأخذ منهم الأجرة بسبب وضعهم المالي السيئ، منهم من يقدر بضعته الثمينة، ويزهد عليها جيدا، ويتابع الدكتور علي حديثه فيقول عملنا هذا يمتد من تصليح الأحذية النسائية والرجالية وأحذية الأطفال إلى الجزادين والقشط والشنط الخ... أما أسعارنا هي جدا زهيدة بالنسبة إلى الآخرين والدليل هو الدور الذي يتم حجزه من قبل الزبائن، والذي نستقبلهم في المستشفى إما حالة الإصابات المستعجلة نرسلها إلى قسم الطوارئ، في المحل الأخر الذي يعمل فيه ابنه جهاد، الذي يقوم بالإسعافات الأولية للمرضى الذين يأتون بسرعة عاجلة في حالة طوارئ .

يروي علي الخياط في حديثه بأن هذه المهنة أصبحت نادرة جدا في لبنان، فمثلا في مدينة النبطية لا يوجد سوى ثلاثة محلات لتصليح الأحذية، وهذا جدا قليل لمدينة يبلغ عدد سكانها مع الضواحي حوالي 250الف نسمة تقريبا . طبعا يتابع علي الخياط في حديثه بأن أدواته الشخصية الذي يستعملها في العمل هي بسيطة جدا، وما زالت هي نفسها منذ أن بدأت العمل، فهي عبارة عن "سندان"الذي لا يتغير ولا يتبدل، لأنه رمز المهنة وعليه يتم تثبيت الحذاء ويدرز بالمسامير و"سكين" و"إبرة" خاصة بشبك الأحذية ومطرقة للمسامير وقاعدة خشبية لوضع "السندان" عليها أثناء العمل وبالنسبة للخيوط المستخدمة في عملية الشبك يقول علي: إنها خيوط خاصة بشبك الأحذية نجلبها من المحلات الخاصة ببيعها وتكون متينة وبلونين الأسود والأبيض وتحتاج ألفرده الواحدة من أي حذاء لانجاز تصليحه إلى مدة عشر دقائق، وبعدها تكون الفردة جاهزة للاستعمال. وعند التأمل بالمحل الصغير والممتلئ بالأحذية والشنط والأشياء الأخرى، الخاصة بالصيانة، وقبل طرح إي سؤال على الدكتور يلفت النظر إعلان مبوب طبع وعلق في جميع زوايا المحل وكأنه يخطاب الزبائن مباشرة، "الزبائن الكرام تعلن إدارة مستشفى الأحذية أنها غير مسؤولة عن إي حذاء مريض يبقى داخل المستشفى أكثر من مدة أسبوع" .

وعندما يطرح عليه سؤال بسيط ، ما هو الفرق بين أدوات تصليح الأحذية الجديدة والقديمة؟؟؟ يجيب دكتور علي خياط : " بان القديمة مثل الأدوات التي أستخدمها تحتاج إلى وقت وجهد أكبر وأكثر أثناء العمل، من الأدوات الحديثة التي لا تستغرق وقتا طويلا ولا جهد قوي ، ولكن العمل بالقديم يعتبر أكثر لذة في مهنة التصليح .



معدات المستشفى :

الأدوات التي تستخدم في صيانة وتصليح الأحذية هي بسيطة جدا عبارة عن السندان، والإبرة التي يتم التحكم بالحذاء من خلالها يدويا، والسكين الذي يتم تقطيع الكاتشوك وتنظيف الكعبيات " إما الأدوات الحديثة التي تراها هي عبارة عن المكنة والقوالب الجاهزة التي يتم شراءها من الخارج كالصين وسورية، أو المواد الوطنية المحلية، التي تسمى بالتركي، "كرستا" أي المواد الذي يتم استعمالها وهي مجموعة من مصطلحات تستخدم في عالم تصليح الأحذية ( كعبيات، نصف نعل، خياطة درزة، درزة مسامير، تلزيق).



"الكاتشوك" مرتبط سعره ببورصة النفط

البضاعة التي يشتريها اليوم د.علي هي مستوردة من الخارج ترتفع أسعارها وتهبط حسب البورصة وسعرها مرتبط بالنفط العالمي لان "الكاتشوك" يرتبط سعره بسعر بورصة النفط . وإثناء الحديث مع الدكتور علي الخياط والذي لا يقبل بأن يناديه الزبائن سوى بالدكتور الذي ينظر بنفسه إلى المريض ويشخص الدواء المناسب له.



محلل سياسي وتنشر مقالاته في الصحافة اللبنانية

ان مقولة الاسكافي حافي تبطل بالنسبة للدكتور علي، لكون السيد علي أنيق في اللباس، وخلوق في التكلم، ومزوق في انتقاء العبارات التي يستعملها، فإثناء الحديث مع الدكتور علي، تبين بأنه من طبقة المثقفين الذي يتحول حانوته الصغير إلى صالون من صالونات الثقافة والمعرفة من خلال الأحاديث المختلفة بين الزبائن الذين يفتحون حوار سياسي أو اجتماعي ويشارك علي الخياط بإعطاء رأيه المختلف كليا عن الآراء التي تسمعها ، من خلال رفضه المنطقي للنقاش العشوائي والفوضوي و تصويبه للحديث أو النقاش بطريقة علمية ومنهجية سليمة يفتقد إليها اليوم الشارع اللبناني العام بشكل عام بسبب حالة الانقسام العمودي التي تسيطر على المجتمع اللبناني طوال فترة 6 سنوات مضت، ويجيب الدكتور علي بان هذه المقالات التي هي معلقة فوق رأسه، كأنها مجلة حائط في المدرسة أو مؤسسة، بأنها مقالاته التي يكتبها وينشرها في الصحافة اللبنانية اليومية والأسبوعية، والتي تقوم بنشر مقالاته المختلفة والعديدة منها في مجال السياسة والفكر الثقافي المتنوع، ويروي علي الخياط بأنه في السابق كان يكتب إلى الصحف ويرسلها بنفسه إما اليوم مع التطور التكنولوجي الذي سيطر على عالمنا الجديد بدأ يرسل مقالاته من خلال الميل والتواصل المباشر مع هيئة التحرير بواسطة الكمبيوتر .



قريبا .. يصدر كتابا حول تاريخ اليهود في العالم العربي

علي الخياط يعمل جاهدا لإعداد كتابه الخاص "عن التاريخ اليهودي وقدومهم ووجودهم في عالمنا العربي" لأنه يدرس التاريخ بنفسه، وينقب بين صفحات الكتب والمراجع القديمة المختلفة، ويتعاون مع مؤسسة القدس الثقافية العالمية ويقوم بنشر مقالات مختلفة عن هذا الموضوع التاريخي والحساس، لكونه شغوف بالقراءة والمطالعة ويملك اليوم مكتبة كبيرة تحتوي على العديد من أروع وأفضل الكتب التاريخية والسياسية والأدبية، هو المراقب لكل نشرات الإخبار التي تبث على مختلف الفضائيات المحلية والعربية، هو القارئ للصحف اللبنانية المختلفة، فالقراءة والكتابة هي هويته المفضلة، لكن صناعة الأحذية وتصليحها هي مهنته الذي عشقها وأحبها وعاشها منذ نعومة أظافره حتى يومنا هذا

المصدر: خالد ممدوح العزي
تاريخ النشر :- Apr 22 2013

تعليقات القراء